السيد كمال الحيدري

36

مقدمات منهجية في علم أصول الفقه

فسوف يظلّ الحكم الشرعي مجهولًا للفقيه ، وفي هذه الحالة يستبدل الفقيه سؤاله الأوّل الذي طرحه في البداية بسؤالٍ جديد كما يلي : ما هي القواعد التي تحدّد الموقف العمليّ تجاه الحكم الشرعي المجهول ؟ وهذه الأصول تسمّى بالأصول العمليّة ، ومثالها أصالة البراءة ، وهي القاعدة القائلة : إنّ كلّ إيجابٍ أو تحريمٍ مجهول لم يقم عليه دليلٌ ، فلا أثر له على سلوك الإنسان ، وليس الإنسان ملزماً بالاحتياط من ناحيته والتقيُّد به ، ويقوم الاستنباط في هذه الحالة على أساس الأصل العملي بدلًا عن الدليل . والفرق بين الأصل والدليل أنّ الأصل لا يحرز الواقع وإنّما يحدِّد الوظيفة العمليّة تجاهه ، وهو نحوٌ من الاستنباط ، ولأجل هذا يمكننا تنويع عملية الاستنباط ، إلى نوعين : أحدهما : الاستنباط القائم على أساس الدليل ، كالاستنباط المستمدّ من نصٍّ دالّ على الحكم الشرعي . والآخر : الاستنباط القائم على أساس الأصل العملي ، كالاستنباط المستمدّ من أصالة البراءة . ولمّا كان علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط ، فهو يزوّد كلا النوعين بعناصره المشتركة . وعلى هذا الأساس ننوِّع البحوث الأصوليّة إلى نوعين . نتكلّم في النوع الأوّل عن العناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط التي تتمثّل في أدلّة محرزة للحكم ، ونتكلّم في النوع الثاني عن العناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط التي تتمثّل في أصول عمليّة » « 1 » .

--> ( 1 ) دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى والثانية ، السيد محمّد باقر الصدر ، المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر ، الطبعة المحقّقة ، 1421 ه - : ص 69 - 70 .